ابن تيمية
16
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
ونكتة الجواب : أن كونه يحمل الخبث أو لا يحمله أمر حسي يعرف بالعكس ، فإذا كان الخبث موجودا فيه كان محمولا ، وإن كان مستهلكا لم يكن محمولا ، فإذا علم كثرة الماء وضعف الملاقي علم أنه لا يحمل الخبث . والدليل على هذا اتفاقهم على أن الكثير إذا تغير ريحه حمل الخبث ، فصار قوله : « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث » و « لم ينجسه شيء » كقوله : « الماء طهور لا ينجسه شيء » وهو إنما أراد إذا لم يتغير في الموضعين ، وأما إذا كان قليلا فقد يحمل الخبث لضعفه . وعلى هذا يخرج أمره بتطهير الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبعا إحداهن بالتراب والأمر بإراقته ، فإن قوله « إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه » أو « فليغسله سبعا أولاهن بالتراب » كقوله : « إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده » . فإذا كان النهي عن غمس اليد في الإناء هو في الإناء المعتاد للغمس وهو الواحد من آنية المياه فكذلك تلك الآنية هي الآنية المعتادة للولوغ وهي آنية الماء ، وذلك أن الكلب يلغ بلسانه شيئا بعد شيء ، فلا بد أن يبقى في الماء من ريقه ولعابه ما يبقى وهو لزج فلا يحيله الماء القليل بل يبقى ، فيكون ذلك الخبث محمولا في ماء يسير في ذلك الإناء ، فيراق ذلك الماء لأجل كون الخبث محمولا فيه لما يروى : « ويغسل الإناء الذي لاقاه ذلك الخبث » . وهذا بخلاف الخبث المستهلك المستحيل كاستحالة الخمر ، فإن الخمر إذا انقلبت في الدن بإذن الله تعالى كانت طاهرة باتفاق العلماء ، وكذلك جوانب الدن ، فهناك يغسل الإناء وهنا لا يغسل ، لأن الاستحالة حصلت في أحد الموضعين دون الآخر .